محمد بن زكريا الرازي

281

منافع الأغذية ودفع مضارها

لحوم الدراج ، والكبير من السمك أوفق لهم من الهاربا « 1 » ، وبالجملة ، فجميع الأغذية الغليظة أوفق لهم من اللطيفة ، وهؤلاء هم أصحاب المعد الحارة المرارية . ومتى كانت المعدة تبطىء بالخف عن الطعام ، وكان يحدث بعقب نزول الطعام جشاء حامض ، وكان يدوم مع الجشاء الثقل في المعدة ، فليطلب صاحبها النوم على فراش وطيء وثير حار . والأجود أن يلزم بطنه بدنا حارا خصبا مدة طويلة ، فإن عرق ذلك البدن تعهد مسحه ولا يتعرض للجماع . فإن لم يتهيأ ذلك ألقي على بطنه خرق وثيرة مسخنة ، ونام نوما طويلا ، وسكن إن لم يأخذه النوم ، وتعهد إسخان الخرق متى فترت إن هو لم ينم . حتى إذا بقي كذلك ست ساعات وما زاد عليه ، نظر إلى البول ، فإن كان قد بدت فيه الصفرة والأترجية قام وتمشى مشيا طويلا ، ثم دخل الحمام ، وأكل بعد أن تعاود الشهوة . وليكن مقداره أقل مما جرت عادته ، ومن أغذية سهلة الاستمراء ، كالماء حمص بالفراخ ، والاسفيذباجات من أطراف الحملان والجداء ، وأمراق المطجنات . وليفعل ذلك يومين أو ثلاثة ، ويجتنب الأغذية الغليظة العسرة الانهضام ، ويشرب الشراب ويقويه ويقلله ، ويزيد في الحركة والحمام ، إلى أن يبطل ذلك الثقل والجشاء الحامض كله ثم يعاود العادة . وأكثر ما يحدث هذا العارض بأصحاب المعد الباردة والأمزاج البلغمية . ومتى حدث مع التخمة انطلاق البطن ، فلا ينبغي أن يقطع ذلك ما دام لا يضعف البدن عليه ، ويمسك عن الغذاء البتة بقدر يوم وليلة . فإن عاودت الشهوة مع انطلاق البطن ، وقد كان من الخلقة بمقدار ما خف البطن كله ، فليأكل من الأغذية التي معها قبض ومرارة أكلا خفيفا ، كالصباغ المتخذ من حب الرمّان ، والزبيب بعجمه ، والأصباغ بخل قد نقع فيه كرويا وراسن وبأمراق المطجنات الظاهرة الحموضة التي قد صب فيها ماء السفرجل والتفاح والأرز والسماق ، ونحو ذلك من الأغذية . فإن ذهبت الطبيعة تنعقل قبل فقد الثقل ورجوع الشهوة ، أخذ شيء يسير من الكموني والسفرجلي بقدر ثلث الشربة أو ربعها . وإن بقي البطن منطلقا بعد معاودة الشهوة وخف البطن ، نظر . فإن كان يخرج أبيض أدكن ، ومع رياح ونفخ كثيرة ، أخذ الجوارشنات العاقلة للبطن ، كالجوارشن

--> ( 1 ) الهاربا : سبق شرحها ( نوع من السمك الصغير يقال له الهاربا ) .